ألطمعُ المُدمّر
أرادَ عصفورٌ ذاتَ يومٍ أن يسيطرَ على الغابةِ ويسلُبَ حقَّ جارِهِ العصفور المسكين الذي ورِثَ بعضَ الشُجَيْراتِ عن جدِّه. وقد وصلَ الشِجارُ بينهُما إلى حدِّ الحقد، فانزوى كلٌّ منهما في شجرتِهِ معزولًا.
معَ حلولِ الشتاء، اختفى العصفورُ المسكينُ عن الأنظارِ ليحميَ نفسَهُ من بردِ العواصف، حتّى اعتقدَ العصفورُ الطمّاعُ بأنَّ جارَهُ قد توفّيَ من قسوةِ الشتاءِ، فراحَ يطيرُ ويُغرّدُ فرِحًا أنشودةَ النصرِ حتّى ملأ صوتُهُ كلَّ أنحاءِ الغابة. ولسوءِ حظِّهِ أنّ أنشودَتَهُ بلغَت أذنَيّ الصيّاد الذي سارعَ لاصطيادِهِ. وقعَ العصفورُ الطمّاعُ على الحشائش المُبلَّلة بالأمطارِ، يئنُّ وجعًا بسببِ كسرٍ في جانحِه. كانَ الصيّادُ طيّبَ القلبِ، فحملَهُ إلى بيتِهِ ليعالجَ كسورَه، وأحسنَ معاملته، فقدّمَ له الطعام، لكنَّهُ وضعَهُ في قفصٍ معلّقٍ داخلَ الغرفة. مع مرورِ الأيّامِ تعافى العصفورُ ولكنَّهُ لم يكن سعيدًا، إذ شعرَ بالضيقِ الشديدِ داخلَ القفص، وتذكّرَ المساحةَ الكبيرة في الغابة، كما أنّهُ شعرَ بالوحدة والشوق لجارِهِ العصفور المسكين. تذكّرَ كلّ لحظةِ حريّةٍ عاشَها، عرفَ في داخِلِهِ أهميّة الكنز الثمين الذي فقدَهُ، عرفَ من خلالِ هذا القفص قيمَةَ الحريّة وأهميّة القناعة، وتمنّى لو يحصل على حريّته ليُصحّحَ أخطاءَهُ. لاحظ الصيّادُ حزنَ العصفور، وأدرَكَ أنّهُ يُفضّلُ أن يكونَ طليقًا، فأطلقَهُ بسلام. طارَ العصفورُ بعيدًا مستعدًّا بأن يتنازلَ عن كلّ شيءٍ مقابل حريّته.
هكذا نحن في الحياة، لا نعرف قيمة الكنز الذي نملكه، ولا ندرك السعادة التي نعيشُ فيها إلاّ بعد أن نفقدَ ما لدينا. لذلك فلنشكر اللهَ دائِمًا على النعمةِ التي لدينا قبلَ فواتِ الأوان.
هلا قسطنطين