سِرّ السَّعَادَة البَيْتِيَّة

السعادةُ ركنٌ أساسيٌّ من أركان الصحّة، فإنْ غابَتْ عن جوّ البيت، تسلَّلَ المرضُ إليه، وخيَّمَ جوٌّ من الكآبة.

لا مكانَ في العالم يضاهي البيت السعيد جمالاً وراحة، فأينما سافرنا وأينما حَلَلْنا، لن نَجِدَ أفضل من بيتٍ تغمره ظلالُ السعادة. فالسعادةُ والبيت كلمتان مُترادِفتان في المعنى إذا عرف الأمُّ والأب أن يعيشا عيشةً هنيئةً سليمة. إنّ البيتَ السعيد هو ذلك البيت الذي لا يُسمعُ فيه الكلامُ اللاذع القاسي، ولا النقد المرير. هو البيت الذي يأوي إليه أفرادُ العائلة فيجدون الراحة والهدوء والطمأنينة.

قدوةٌ حسنة لصغارنا
تقعُ مسؤوليّة خَلْقِ السعادة البيتيّة على الوالدَيْن. كثيرًا ما يَخْرُبُ البيت، لسانٌ لاذعٌ أو طبعٌ حادٌّ سريعُ الخصام. كثيرًا ما يهدم السعادة البيتيّة حبُّ التسلُّط وعدم الاخلاص من قِبَلِ أحد الوالدَيْن، فينشأ الأولاد، وهم الذين يراقبون حياة الوالدين، على حبِّ التسلّط والخصام والكلام اللاذع وعدم الإخلاص. ومتى نشأ أفرادُ العائلة على خِصالٍ وطباعٍ كهذه، لن يعودَ للسعادة أثر. أمّا إذا عاش الوالدان بإخلاصٍ ومحبّةٍ وتضحيةٍ وصِدْق، ينشأ أولادُهم على الخصال الحسنة نفسِها، وينمو في العالم جيلٌ مُحِبٌّ للسلام، يجلبُ الفَرَحَ لا للعائلة وحسب، بل للعالم أجمع.

لا نقدرُ أن نخدع أولادنا، لأنّهم يعرفون خفايانا ويطـَّلعون على دقائق تصرّفاتِنا وسُلوكِنا في البيت وخارجه. فَيَقْتَدونَ بنا أو يحكمون علينا، لكنّهم يطبّقونَ على الآخرين ما يرونه فينا. وإذا قَلـَّت ثقتهم بنا، قَلـَّت ثقتهم بكلّ مَن يحيطون بهم، الآن وفي المستقبل.
قد نخدعُ الآخرين ونُظْهرُ عَكْسَ ما في داخلنا، ولكنّنا لا نقدرُ أن نخدع أنفسنا. علينا أن نكونَ مُخلصين مع ذواتنا، فندرك أغلاطَنا وتقصيرَنا، ونعمل على إصلاحها واضعين أنفسنا في يد الله الذي يسيرُ بنا إلى كلّ خير.

سرُّ السعادة البَيْتِيّة
غزا جيشٌ أحدَ البلدان وأَسَرَ أستاذًا جامعيًّا واتَّهَمَهُ بالجاسوسيّة، وهو براءٌ منها. وكادَ يموتُ بسبب ما لَقِيَ من العذاب. غيرَ أنّ مجرى المعركة تغيّر، وأُطْلِقَ الأستاذُ وَأُسِرَ مُعذّبُهُ، وَوُضِعَ في الغرفة نَفْسِها. فما كان من الأستاذ، وقد أصبح ذو قوّةٍ وسلطان، إلاّ أن زار الأسيرَ الظالم، وقدّمَ له الطعام والمواساة، وسامحه على كلّ تصرُّفاته. فكانت تلك الخطوة أقوى وأشدّ من الإنتقام.
“طوبى لصانعي السلام لأنّهم أبناءُ الله يدعون”. ليس المقصودُ طبعًا أولئك الذين يصنعون السلام بين الأمم المتحاربة وحسب، بل أيضًا صانعو السلام في العائلة المُهَدَّدة بالإنقسام. غالبًا ما يكون كبرياءُ أحد الوالدَيْن، أو كبرياؤهما معًا، سببًا لِنَكَدِ الأولاد وشقائهم، فتنتهي حالُ العائلة إلى التعاسة.
قد يُخطئ أحدُ الوالدَيْن تجاه الآخر فالكمال لله وحده. ولنتذكَّرْ القولَ الحكيم: “الخطأُ من صفات البشر والغفرانُ من صفات الله”، فَلْنَغْفِرْ ونسامِحْ لِنَكْتَسِبَ صفةً من صفات الله، مصدر كلّ سعادة وسلام.
أجل، إنّنا نحملُ في طبائعنا ضُعفاتٍ وَرِثْناها عن أجيالٍ سابقة، ولكن لم يُحْكَمْ علينا أن نبقى تحت رحمتها. فالمجالُ للإصلاح واسعٌ أمامنا، وواسعٌ جدًّا. هنالك قوّةٌ تقدرُ أن تُنَشّطَ فينا عوامِلَ الخير، فَلْنَلْجَأْ إليها لكي تُقوّيَ صحّتَنا وعقلنا، وتزرعَ فينا الثقة بالحياة وتُحيي أمالنا للمستقبل. إنّ قوّةَ الله هي التي تُنْسينا سقطات الماضي، وترفعُنا إلى مستوى أعلى. فَلْنَسْمَحْ لله، أن يملكَ على حياتنا، فنحظى بالسعادة والفرح.

Spread the love