سلاحٌ شافٍ
يُحكى أنّه في حيٍّ متواضعٍ من أحياءِ البلدةِ، يعيشُ رجلٌ غريبُ الأطوار، مُتجهِّمُ الوجهِ، عبوسٌ وقاسٍ، شديدُ المَيْلِ إلى الوحدةِ والعزلة، يصفُه الجميعُ بالمتكبّرِ والقاسي والأنانيّ. تراهُ دائمًا جالسًا في حقلِهِ تحتَ الأشجارِ غارقًا في تفكيرِهِ وكأنّهُ في عالمٍ آخَر، وأحيانًا أخرى تجدُهُ يتحدّثُ مع الحيواناتِ الأليفةِ التي يعتني بها. نادرًا ما يخالطُ البشر، لا يجرؤُ أحدٌ على الاقترابِ من حقلِه، فالجميعُ يتجنّبُ غضبَهُ وشتائمَهُ، وكأنّهُ يكرهُ البشرَ أو كأنّهُ ينتمي إلى كوكبٍ آخر.
ذاتَ يومٍ تدحرجَت كرةُ أحدِ الأولادِ إلى أرضِهِ، فدخلَ الولدُ ليستعيدَ كُرتَه، فإذا بصاحبِ الدارِ يصرخُ كعادتِهِ لإخافةِ كلّ من يتطفّلُ على عزلتِه. تفاجأ غريبُ الأطوار عندما رأى طفلًا بريئًا يرتجفُ من شدّةِ الخوف. لأوّل مرّةٍ وعلى غيرِ عادةٍ لمعَت عينا الرجُلِ الغاضب وبدأت ملامحُ وجهه تلين.
إقتربَ منَ الصغير وناولهُ الكرة، فقفزَ الولدُ بعيدًا هاربًا بكُرَتِهِ من قصاصٍ مُحتّم.
تبدّلتْ ملامحُ الغضبِ إلى ملامح الحزن والأسى، إغْرَوْرَقَتْ عيناهُ بالدموعِ التي تُخفي خلفَ قسوتِها ألفَ حكايةٍ وحكاية.
ذلك الرجل يختبىءُ وراءَ قناعِ الغضب لعلّ سلاح القسوة يحميهِ من هجماتِ الحياة. قسوتُهُ تُخفي ألمًا وجروحًا سبَّبَها لهُ البشر، فمنهُم من خانَهُ ومنهُم من كذبَ عليهِ، ومنهم من استهزأ بهِ أو استغلّهُ بسبب طيبَة قلبِهِ ومُسامحته الدائمة.
لقد كُسِرَتْ جسورُ الثقةِ بينَهُ وبينَ البشرِ الذينَ طعنوهُ وهمّشوهُ وحطّموه. تلكَ القسوة ما هي سوى سلاحه الوحيد المتبقّي لهُ في الحياة ليدافعَ بهِ عن بقايا روحِه.
في حياتِنا نصادِفُ الكثيرين مثل ذلك الرجُل، يختبئونَ خلفَ سِتارِ القسوةِ ليخفوا جِراحَهم النازفة، فلْنَرحَمْهُم ولا نحكمْ عليهِم، فقد شَبِعوا من حربٍ لا نهايةَ لها، ففقدانُ الثقةِ داءٌ قاتِلٌ لا شفاءَ منه.
هلا قسطنطين